الشيخ محمد هادي معرفة

105

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قدم أبو هريرة بعد أن تخطّى الثلاثين من عمره ، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حينذاك في غزوة خيبر التي وقعت عام ( 7 ) من الهجرة ، قال ابن سعد : قدم الدوسيّون فيهم أبو هريرة ورسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر فكلّم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أصحابَه في أن يشركوا أبا هريرة في الغنيمة ، ففعلوا . ولفقره اتّخذ سبيله إلى الصُفَّة ( موضع مظلّل في موخّرة مسجد النبيّ من الناحية الشماليّة ) . قال أبو الفداء : وأهل الصُفّة أناس فقراء لا منازل لهم ولا عشائر ، ينامون في المسجد ويظلّون فيه . وكانت صُفّة المسجد مثواهم ، فنُسبوا إليها . وكان إذا تعشّى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يدعو منهم طائفة يتعشّون معه ، ويفرّق منهم طائفة على الصحابة ليعشّوهم . روى مسلم عنه ، قال : كنت رجلًا مسكينا أخدم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على ملاء بطني . وفي رواية : كنت ألزم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على ملاء بطني . وكان أكولًا ، إذا كان يُطعَم في بيت أحد الصحابة ، كان بعضهم ينفر منه . وروى البخاريّ عنه ، قال : أستقرئ الرجل الآية وهي معي ، كي ينقلب بي فيطعمني . وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته . وروى الترمذيّ عنه : وكنت إذا سألت جعفر عن آية لم يجبني حتّى يذهب بي إلى منزله . قال أبو ريّة : ومن أجل هذا كان جعفر في رأي أبي هريرة أفضل الصحابة جميعا ، فقدّمه على أبي بكر وعمر وعليّ وعثمان وغيرهم من كبار الصحابة . فقد أخرج الترمذيّ والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة : ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وَطِئ التراب ، بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب « 1 » . كان أبو هريرة يُلقّب بشيخ المضيرة ( طعام يطبخ باللّبن المَضِر ، أي الحامض ) وقد نالت هذه المضيرة من عناية العلماء والكتّاب والشعراء ما لم ينله مثلها من أصناف المآكلّ والحلويّات . وظلّوا يتندرون بها ويغمزون أبا هريرة قرونا طويلة من أجلها .

--> ( 1 ) - . راجع : فتح الباري ، ج 7 ، ص 62 .